القرطبي
149
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولا كهانة ، ولا شعر ، وأنه حق . وقال ابن عباس : أنزل القرآن متفرقا : آية بعد آية ، ولم ينزل جملة واحدة ، فلذلك قال " نزلنا " وقد مضى القول في هذا مبينا ( 1 ) والحمد لله . قوله تعالى : ( فاصبر لحكم ربك ) أي لقضاء ربك . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : اصبر على أذى المشركين ، هكذا قضيت . ثم نسخ بآية القتال . وقيل : أي اصبر لما حكم به عليك من الطاعات ، أو انتظر حكم الله إذ وعدك أنه ينصرك عليهم ، ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة . " ولا تطع منهم آثما " أي ذا إثم " أو كفورا " أي لا تطع الكفار . فروى معمر عن قتادة قال : قال أبو جهل : إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه . فأنزل الله عز وجل : " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " . ويقال : نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد ابن المغيرة ، وكانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج ، على أن يترك ذكر النبوة ، ففيهما نزلت : " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " . قال مقاتل : الذي عرض التزويج عتبة بن ربيعة ، قال : إن بناتي من أجمل نساء قريش ، فأنا أزوجك ابنتي من غير مهر وأرجع عن هذا الامر . وقال الوليد : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال ، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى وارجع عن هذا الامر ، فنزلت . ثم قيل : " أو " في قوله تعالى : " آثما أو كفورا " أوكد من الواو ، لان الواو إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص ، لأنه أمره ألا يطيع الاثنين ، فإذا قال : " لا تطع منهم آثما أو كفورا " ف " - أو " قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى ، كما أنك إذا قلت : لا تخالف الحسن أو ابن سيرين ، أو اتبع الحسن أو ابن سيرين فقد قلت : هذان أهل أن يتبعا وكل واحد منهما أهل لان يتبع ، قاله الزجاج . وقال الفراء : " أو " هنا بمنزلة " لا " كأنه قال : ولا كفورا ، قال الشاعر : لا وجد ثكلى كما وجدت ولا * وجد عجول أضلها ربع ( 2 ) أو وجد شيخ أضل ناقته * يوم توافي الحجيج فاندفعوا
--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 29 . ( 2 ) العجول من النساء والإبل : الواله التي فقدت ولدها سميت بذلك لعجلتها في جيئتها وذهابها جزعا وهي هنا الناقة . والربع : كمضر : الفصيل ينتج في الربيع .